الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
217
مختصر الامثل
إبراهيم عليه السلام ولإزالة هذا التوهم أوحى إليه السؤال : « أوَلم تؤمن ؟ » لكي يأتي جوابه موضحاً الأمر ، ومزيلًا كل التباس قديقع فيه البعض في تلك الحادثة ، لذلك أجاب إبراهيم عليه السلام : « بَلَى وَلكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلبِى » . « قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا » . « صرهنّ » : من « الصَوْر » أي التقطيع ، أو الميل ، أو النداء ، ومعنى التقطيع أنسب . أربعة من الطير واذبحهنّ وقطّعهنّ واخلطهنّ . لقد كان المقصود أن يشاهد إبراهيم عليه السلام نموذجاً من البعث وعودة الأموات إلى الحياة بعد أن تلاشت أجسادها . وبذلك قام إبراهيم بهذا العمل وعندما دعاهنّ تجمّعت أجزائهنّ المتناثرة وتركبت من جديد وعادت إلى الحياة ، وهذا الأمر أوضح لإبراهيم عليه السلام أنّ المعاد يوم القيامة سيكون كذلك على شكل واسع وبمقياس كبير جداً . مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( 261 ) تعتبر مسألة الإنفاق إحدى أهمّ المسائل التي أكدّ عليها الإسلام والقرآن الكريم ، والآية أعلاه هي أوّل آية في مجموعة الآيات الكريمة من سورة البقرة التي تتحدث عن الإنفاق ، ولعل ذكرها بعد الآيات المتعلقة بالمعاد من جهة أنّ أحد الأسباب المهمة للنجاة في الآخرة هو الإنفاق في سبيل اللَّه . تقول الآية الشريفة : « مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ » . فيكون المجموع المتحصّل من حبّة واحدة سبعمائة حبّة ، وتضيف الآية بأنّ ثواب هؤلاء لا ينحصر بذلك : « وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ » . وذلك باختلاف النيّات ومقدار الإخلاص في العمل وفي كيفيته وكميته . ولا عجب في هذا الثواب الجزيل لأنّ رحمة اللَّه تعالى واسعة وقدرته شاملة وهو مطلع على كل شيء « وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ » . الإنفاق ومشكلة الفوارق الطبقية : بالتدقيق في آيات القرآن الكريم يتضح أنّ واحداً من الأهداف التي يسعى لها الإسلام هو إزالة هذه الفوارق غير العادلة الناشئة من الظلم